القرطبي

379

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ثم يقولون : " ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون " ( 1 ) [ السجدة : 12 ] فيجيبهم الله تعالى : " فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون " [ السجدة : 14 ] ثم يقولون : " ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل " فيجيبهم الله تعالى " أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال " فيقولون : " ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل " [ فاطر : 37 ] فيجيبهم الله تعالى : " أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير " ( 1 ) [ فاطر : 37 ] . ويقولون : " ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين " [ المؤمنون : 106 ] فيجيبهم الله تعالى : " اخسئوا فيها ولا تكلمون " ( 2 ) [ المؤمنون : 108 ] فلا يتكلمون بعدها أبدا ، خرجه ابن المبارك في " دقائقه " بأطول من هذا - وقد كتبناه في كتاب " التذكرة " - وزاد في الحديث " وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال . وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " [ إبراهيم : 44 - 45 ] قال هذه الثالثة ، وذكر الحديث وزاد بعد قوله : " اخسئوا فيها ولا تكلمون " [ المؤمنون : 108 ] فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء ، وأقبل بعضهم على بعض ينبح بعضهم في وجه بعضهم في وجه بعض ، وأطبقت عليهم ، قال : فحدثني الأزهر ابن أبي الأزهر أنه ذكر له أن ذلك قوله : " هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون " ( 3 ) [ المرسلات : 35 - 36 ] . قوله تعالى : وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال ( 45 ) وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ( 46 ) قوله تعالى : ( وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال ) أي في بلاد ثمود ونحوها فهلا اعتبرتم بمساكنهم ، بعد ما تبين لكم ما فعلنا بهم ، وبعد أن ضربنا لكم الأمثال في القرآن . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي " ونبين لكم " بنون والجزم على أنه مستقبل ومعناه الماضي ، وليناسب قوله : " كيف فعلنا بهم " . وقراءة الجماعة ، " وتبين " وهي مثلها في المعنى ، لأن ذلك لا يتبين لهم إلا بتبيين الله إياهم .

--> ( 1 ) راجع ج 14 ص 95 وص 351 . ( 2 ) راجع ج 12 ص 153 . ( 3 ) راجع ج 19 ص 164 .